الأحد، 24 يونيو، 2012

رصاصة من المجهول


رصاصة من المجهول 
علي حسين الجابري 
اعتاد برهان أن يفتح مصراع النور مع اهلالة الفجر ليؤدي مناسك تعلمها عن ابيه من ابيه تتلخص بتلبيات وعبارات التمجيد والاستغفار ...
يخرج قدمه اليسرى من داره ويسير بخطوات متباطئة يرفع اذان في كل لحظة يحس بطمأنينة حال لفظ " يا كريم أنت الرب الرحيم " يواصل المسير قاصداً مكان كسب العيش دكان يفتح بابيه ليدخل نور أشعة الشمس حاملة نسمات الصباح الباردة الجميلة .

 
يسلم بصوت مرتفع على جيران دكانه بعبارة عراقية قديمة تحمل في كل حرف من حروفها عراقة بلد وطيبة شعب وبساطة عيش " صبحكم الله بالخير اغاتي " هي ردود آنفت إذنه سماعها ...
ابو عماد جاره وصديقه منذ عشرون عاماً مضت كان ولا زال خازن سره  ومستودع همه كما كان هو  لأبي عماد ... دخل عليه ولكن بوجه آخر يخبئ شيئاً  ... يحمل هماً تفضحه عيناه وان اختبأ خلف زجاج سميك وإطار بلاستيكي يترك ثفنة على بداية انفه المستدق الطويل .
يعالجه برهان بضربة استباقية عنوانها " الدنيا تغيرت وغيرت معها اناس كثيرين يا حاج " وساعتها انهار سد هموم الجار ولم يبقي في قلبه كلمة واحدة فيعرف برهان كل شيء أراده ... تحدث ابي عماد عن ليلة البارحة عندما كان في سطح الدار حيث اعتاد ان يكون هو وعائلته لا لانه لا يمتلك أجهزة تبريد وتكييف الهواء بل لان تلك الاجهزة تعمل بواسطة الطاقة الكهربائية المفقودة دائماً ... وهو يطرب نفسه بقول الجو بارد ليلاً وكأنه   ليل بيروتي ولأجل هذا كلف ابنته الصغيرة عبير ذات الاثنا عشر ربيعاً بمهمة تنظيف سطح الدار وتهيئته وتجهيزه للنوم كما انه اعتاد محاولا إقناع أولاده بفوائد النوم على النسمات الطبيعية فكانت موعظة هذه الليلة ان قال لهم أنضروا إلى النجوم كم هي متلألاة والسماء صافية فتأملوا خلق الله وسبحوا له سبحانه وتمنوا أمنيات مشفوعة بذكر ان شاء الله .
برهان علم سبب تلك الغيمة السوداء التي تلبدت فوق جبين أبي عماد فراحت تقطب جبينه في شكل يشبه الأخدود والتشققات من فرط الحالة النفسية التي يمر بها رغم انه في وسط الثلاثينيات من عمره .
كان ينام فوق سطح داره ويتقلب من عبث الناموس وأصوات معزوفاتها قرب صوان إذنه ولكنه بشكل مفاجئ يسمع صوت أزيز أقوى من صوت الناموس المعتاد ويهدئ هذا الصوت الجديد فأفاق باحثاً عن مصدره يلتفت يميناً لا يرى شيئاً شمالاً يبصر بريقاً خفيف من شيئا لأول مرة يراه فوق سطح داره يقول لنفسه في حوار الذات مع الذات ... عبير تنظف السطح كل يوم فهل أخفقت هذا اليوم في هذه العملية البسيطة ام ماذا ؟! يحرك نفسه امتداداً نحو ذلك البريق بفعل إرادة معرفة كنه ذلك الشيء وفي كل لحظة يزداد غرابة ويبحث في فهارس عقله عن كنه هذا الشيء وماهيته ... يقرب أصابع يده اليمنى بدعوة التعرف يجد رصاصة ولدتها فوهة بندقية ولكنه يستغرب محلها الحالي ومكانها فيردد ماذا تفعل هذه هنا ألان يتذكر ايام الحرب وأيام شبابه التي أكلتها أيام الحرب الضروس وعاد يردد عبارة يعرف بها تلك الرصاصة فيقول " طلقة لسلاح نوع كلاشنكوف عيار سبعة واثنان وستون مليمً تعمل بقوة الغاز ونابض الإرجاع " ثم يبتم ضاحكاً من ترديد العبارة وهو يقول لبرهان جلست والخوف بعيني لكنني لم أراقب فنجاني المقلوب بل راقبت رصاصة وجدتها في سطح داري أطلقها مستهجن ثائر لموت احدهم أو لاعتراضه على قرار الموت الصادر من الذات المقدسة فتناول بندقيته ليشعل فتيل الحرب ويؤجج نار لا تعرف لمن ؟  ولا لما ؟ هي ضد المجهول تتخذ أسلوب رمي الرصاص بشكل عشوائي وعبر سلسلة أطلاقات في كبد السماء لم يفكر مطلقها إن طلقته تلك  حين ترتفع فإنها لا محال تأخذ طريقها فتنزل فأين يا ترى مكان نزولها .. على سطح من  ؟ في جوف من ؟  فو رأس من ؟ .
يا برهان يا صديقي أنا في كل ليلة أخير نفسي بين نار الجو الحار في غرفة النوم وساعتها اكون تحت سقف بيتي  الأمن ما شاء الله وبين الرصاص الهابط من المجهول بفعل المجهول فأين يا ترى المفر اعتدت على نطق الشهادتين والنوم بعين نصف مفتوحة   
نشرت في جريدة السماوة
والعراق اليوم بعدد 1908

1 التعليقات :

غير معرف يقول...

السلام عليكم
قصة جميلة باسلوب بسيط من ذهن بارع وكلمات تعني الكثير من الاحوال .... والاحلى كلمة صبحكم الله بالخير اغاتي ... والخوف من المجهول ... وكل منا اليوم
ينام بعين نصف مفتوحه. سلمتم ودام قلمكم الناطق بلسان حال البشر .
ملكوت لبنان

إرسال تعليق