الأحد، 26 مايو، 2013

تحت عش السنونو – قصة قصيرة -



علي حسين الجابري
ينحني بقامته الفارعة نحو الأرض وكأنه قوس أو هلال ليرفع منها شيء ويكمل المسير بترنح و دندنات لا اسمع منها غير النغم ... يمارس الانحناء بين الفينة والأخرى وعيناه تراقب الأرض وكأنه يبحث عن شيء فقده .



الفضول رغم انه في بعض الأحيان قاتل لصاحبه لكنه تمكن مني فلحقت به إلا إني اتباطئ بخطواتي لكي لا يعرف بأمري وأفكاري تتصادم يبعضها حتى بدأت تشعرني بصداع يضرب على جانبي جمجمتي لكني انشغلت عن كل هذه الأفكار ونسيت حتى الألم حين رأيته يجلس القرفصاء يضع  على الأرض  كل ما في يده ثم يرمي بكفه إلى طامورة جيبه لتمارس البحث بارتعاشه سريعة وكأنه في قمة العجل حتى وجد علبة أعواد الثقاب , فاجأتني ابتسامته التي ارتسمت بشكل عجيب حينما وجد ما يبحث عنه وعيناه تتراقص فرحا بهذا الانجاز الكبير على الأقل بالنسبة له .
طائر جميل يغرد بلحن أجمل يضرب بجناحيه فوق رأسه يطير بحركات محترفة يحمل في منقاره أعواد أيضا تشبه الى حد ما تلك الأعواد التي في علبه الثقاب فكلاهما من الخشب لكن الطائر يضعها في عشه ثم يغيب قليلا ليأتي برمال الشاطئ ليمزجها بأعواد العش , العش يبهر من يراه يشبه جفنة الطعام أو إناء شرب الماء دأب هذا الطائر المهاجر الجميل على صناعته وصيانته بشكل هندسي جميل وبناء رصين , يتشارك الحياة مع أنثاه التي تمارس نفس العمل باستمرار , وما قدر ما يجلب هذا الطير بمنقاره ؟! لكن النتيجة مبهرة بيت يقهر كل الضروف الجوية والعوامل المؤثرة يستقر في داخله فرخان لا يشبعان يأكلان كل ما يلقى إليهما والأبوان يمارسان الزق على الدوام وما ان يفرغا من الطعام تتعالى زقزقتهما وكأنها تقول  " هل من مزيد" , لا يسمع صوتهما  احد غير أبويهما  وجامع الاقعاب هذا .
يخرج عود الثقاب يشعله ويلتقم بين شفتيه اكبر الأعقاب وأطولها ليضرم النار فيها وفي لحظة نشوة عجيبة وكأنه ملك في ليلة انس وسمر يرفع رأسه منتشيا وصوت السنونو وهو يزق لأفراخه الطعام يملا المكان ورفرفة أجنحة الطير تعبث بعمود دخانه المتصاعد يرجع الطير في كل مرة بغنيمة لأفراخه يسد رمقهم وفي كل مرة يرى الأعقاب تحترق عند بوابتي فم الجالس أسفل منه وكأنه من بلاد الأموات  يعدها كل مرة بعد ان يستنفذها وفي كل مرة تتناقص أعدادها امام عينه  تنطفئ ابتسامته متناسيا كل من ينتظره في بيته وكان الدخان كل همه وحياته  .
 نشرت في يوم 26/5/2013 في جريدة العراق اليوم العدد1892

0 التعليقات :

إرسال تعليق