الأربعاء، 29 أغسطس، 2012

كأس كان مزاجه كافوراً


كأساً مزاجه كافورا
علي حسين الجابري
كأساً كان مزاجه كافورا ... اخر شرابه الذي دفعه بكف يحتضن كاساً زجاجياً بارداً يعكس برودة
 ما بداخله من سائل . دفعه الى جوفه الملتهب من حرارة يومه الذي بلغ الخمسين درجة وفق مقاييس زئبقية وأخرى الكترونية , كان يحس ببرودة كل جزء يمر به ذلك الشراب وصولاً الى معدته الفارغة , يحمد الله وعينيه تراقص فيهما نشوة الارتواء .
حمل معه احلام وامال وخضروات وفاكهة الى داره النائية في 

رحلة يومية عادة ما تنتهي بابتسامة طفل في السادسة من العمر يتراقص فرحاً لرؤية ابيه و ما يحمل , يقرر في لحظة الجري نحوه لاستقباله وقبل ان يلقي على ابيه  التحية يسأله عن ما في الكيس ؟ اهو خوخ ام عنب ؟ ام يا تره روتين الطماطم والباذنجان ؟ كان يبادر ابيه بضحكة من بين ثناياه الصفراء بفعل رحلات الاف السجائر التي احتضنتها شفتيه السوداويتين ومن مصاحبة النيكوتين ولكنه يعلمه احياناً بقوله :" كل هذا يا ولدي بفضل الله ... فلا ينبغي لك الا ان تقول الحمد لله " يرد عليه : يا ابتي بالطبع بحمد لله .. ولكن هل جلبت لنا "بطيخ "؟ .
 الاب بقهقهة خفيفة من حركات وكلمات الصبي : يجيبه بعبارة المشيئة  - ان شاء الله – يدخل كما اعتاد بقدمه اليمنى تشفعها " بسم الله" وابتسامة من ثغر رفيقة الدرب وانيسة النفس وتبدأ بمبادرته السلام وحمل ما جادت به كفه المتجعدة كثيراً من العمل وقساوة الحياة ... يزيل عن راسه كوفية سوداء ... يسمح لنسمات الهواء القادمة  من آلت التبريد  (مبردة) ان تصافح رأسه الاصلع , فتحمل له ابنته الصغيرة اناء فيه ماء يطفو على سطحه مكعب من الثلج يقبل كفيها الصغيرتين ويجلسها في حضنه يعيد توازن الحرارة في جسده من شراب الماء البارد ... يلاعبها ... يقبلها يمسك بخديها في مزاح قبل ان تهيء الام وجبة الغداء .
كل ذلك كان امام عينيه حينما انهى كاسه الاخير في دنياه , وحمل كيس مؤنته الاسود متوجهاً الى داره عبر المرآب الداخلي في المدينة ليجلس في باص مزدحم بالسجالات والقهقهات ونشرات الاخبار المحلية والعالمية وهو يتصفح بصمته صور المدينة خلال حركة سير الباص بجنب النافذة الزجاجية المفتوحة والتي تمارس ادخال كميات غير محدودة من رياح السموم .
يصل الى اقرب منطقة يمكن ان يواصل المسير منها الى داره البعيد خارج المدينة يترجل من الباص يضيق كوفيته على وجهه ليحمي بشرته السمراء من لهب السموم الحارق يسير بخطوات غير التي يسير فيها كل يوم تكاد تكون بطيئة هنالك يحس بعطش يتذكر الكأس الذي ارتوى منه  اخر مرة حين كان في السوق يلتفت يميناً لا يرى شيئاً شمالاً لا يرى شيء يقرر عبور الشارع ليستقل طريقاً ترابياً مختصراً الى داره يتفاجأ بقدوم دراجة نارية مسرعة  بسرعة المنية يحكم قبضته على كيس طعام عياله ... يميناً ... شمالاً يتمايل يحاول يجري فلا تسعفه كل حركات الطوارئ والهروب لا يحس الا بحرارة الاسفلت وشريط مصور من حياته كلها في لحظته الاخيرة يشعر ايضاً بظلام يغزو نهاره وشمسه المحرقة ... جفنيه يطبقان رغماً عنه رائحة الدم وسائل لزج يخرج من اسفل دماغه يصافح كف المنية ليترك خلفه بيت بلا راعِ واطفالاَ زغب الحواصل بلا ماءِ ولا شجرِ .
افاق عطشاً من كابوسه المزعج المتكرر هذا مسرعة الى قدح الماء الذي اعتاد ان يضعه قرب فراشه  وبلغة الجسد المحضة ينهي اخر قطرة في ذلك القدح وعبارات التقديس لله والتسبيح لها هدير من بين شفتيه اليابستين حتى بعد شرب الماء كان هذا الكابوس رافقه في السنوات الاخيرة يزوره باستمرار كلما مر بموقف مع اصحاب الدراجات النارية اصحاب الطيش في قيادة مركبات الموت في الازقة والشوارع يجوبون الطرقات بسرعات مخيفة يربكون طفلاَ هنا وامرأة هناك  كان يخاف منهم كثيراً لانهم غير مدركي عواقب ما يفعلون .
نشرت في جريدة السماوة

1 التعليقات :

غير معرف يقول...

سلمت اناملكم.. اسلوب رائع من التشويق مما يجعل القلب يخفق والنفس يلهث والانتظار لما سيحدث بالنهايه بشغف ذكرتني ب الروائيه اجاثا كرستي .
وفقكم الله للعلى وننتظر المزيد منكم يامن بقلمكم تنيرون طريق الاجيال.



لبنان

إرسال تعليق