الأربعاء، 11 يوليو، 2012

بين لحيتي ورأسي


بين لحيتي ورأسي
علي حسين الجابري
يغرس بقوة انامله التي اكتسبت تجاعيد كثيرة مع مرور السنين , كما اكتسبت الكثير من الخبرة في تلمس الاشياء ومعرفة ما تتحسس حين تستعلم عن شيئ ما في كل لحظة من حياته الستينية , يغرسها بقوة ويعمل على صنع مشط من بين فراغات الاصابع يسرح به شعر لحيته الكثيفة , اعتاد على هذه الممارسة منذ ان ترك عمله لا برغبة منه بل لان سنه القانوني وصل  الى قاب قوسين من الشيخوخة .
يسرح لحيته منذ ان ترك العمل الذي زاوله قرابة الاربعون عاماً وهو يلبس 
بكامل القيافة ويجلس على كرسيه المتحرك ليضرم النار المستعرة في رأس سيجارة تمنحه نيكوتين قد تشبع بدنه به فصار يدمن استنشاقات الصباح واحتساء الشاي مع دخانها الخارج من جوف جمجمته ومن فتحتي الانف بالتحديد يعمل بجد مثلما يتناقل الاخبار بجد ايضاَ يعشق عمل الجمعيات التسليفية الا انه يمكر دائماً حينما يشترط ان يكون اول من يستلم المبلغ من بين المشتركين , كانت هذه بالنسبة له فترة وردية في حياته ولم يكن حينها لديه لحية كثيفة ولا حتى خفيفة لأنه يعدها من نواقض القيافة والعمل الرسمي ولهذا لم يكن مشطه الذي يصنعه بأصابع يده اليمنى يعمل ولم يكن يقبض على لحية عند نهاياتها ولم يكن يتأمل كثيراً ولا حتى يشعر بالرعب من المستقبل كما هو حاله اليوم فهو اليوم ستيني الملامح هزيل البنيه منحني الضهر يجلس مطولاً في المقاهي الشعبية يحتسي الهم والشاي معاً ويتأمل كثيراً مع صفحات الصحف المحلية التي يقرأها في محاولات مستمرة لإجهاض مؤامرات الشيخوخة التي تطارده وافكار الموت التي تجري في دمه فتزاحم الخلايا والكريات البيض والحمر فتخلق ثورة في كيانه على الواقع يبرز من خلال ملاطفات و مجارات بينه وبين الشباب في المقهى يحاول من خلالها ان يقول انا لازلت املك روح الشباب .
ولكن سرعان ما يرجع الى عادته الجديدة ويمشط لحيته الكثيفة متأملاً فيما يجنيه بعد خدمته الاربعينية يجري معادلات حسابية يطيل التصفح في ذكريات العمر الطويل ولكن عادة ما يهرب من كل هذا عبر نقطة نظام ينطقها بفم فصيح يقول :  " يا الله ايام العمر تمشي وايام وينتهي كلشي " .
يذهب في يوم معلوم من كل شهر ليقف في طابور ليس بالطويل لتمنحه هيئة التقاعد مرتباً شهرياً بسيطاً لا يكاد يصمد ايام امام هذه الضروف والاسعار المتزايدة في كل ساعة ونحن في بلد يستورد كل شيء الا الهواء .
يستلم اوراق نقدية متعددة الالوان يعدها ويعدها و يعدها حتى يلتصق شيئا من اصباغها في ابهامه الذي يبصم فيه على جهاز البطاقة الذكية التي دخلت مؤخرا كتقنية جديدة في حياة المواطن العراقي , يخرج الى الشارع المليء بالضجيج واصوات مزامير السيارات واصوات الباعة تسك مسامعه وهو لا يبالي حتى بمن يصرخ بأذنه : " حاجة بألف حاجة بألف " يمر كانه يعيش في عالم ثاني لأنه ساعتها في عالم الحسابات المظلم يقسم المبالغ يقرر حذف فقرات وستحدث اخرى  حسب اولويات حياته ومستجدات الوضع الحالي .
ابتسامة تزين فمه المغطى بعارض رمادي مشرب بحمرة ورثه عن ابيه وأورثه لابنه البكر الذي تخرج من الجامعة مؤخراَ ويعمل الان في احدى المقاهي الشعبية القريبة من محل سكناه في الحارة القديمة لأنه لا يجد مكاناً بين اقرانه  في دوائر الدولة الكثيرة فلم يحبذ ان يكون هماً اخر من هموم ابيه واثر ان يعمل بجد واجتهاد كما كان يدرس ايام الجامعة وتحولت قدراته العقلية وخلايا دماغه التي كانت تتفجر بالأفكار الجميلة الى خلايا منتجة لطرق جديدة في مسك كوب الشاي وطرق تقديمه للزبائن بشكل الطف وبهذه الطريقة تمت عملية تحديث عصرية لأفكار ذلك الشاب الطموح .
يصل الى اعتاب حارته التي عاش فيها منذ نعومة اضفاره يحمل راتبه التقاعدي وحسابات وامال واقساط لمحال قد ابتاع منها اشياء لداره , يضرب فخذه بقوة حينما يتذكر الاربعون عاماً كيف انتهت وكيف عمل خلالها وكيف صبر على ضروف قاسية وايام محنة لم يترك حينها العمل ولم يتخلى عن كرسيه البسيط ولم يتوقف عن تسيير معاملات المواطنين حينها اطلق زفرة حارقة كادت تحرق شفتيه اليابستان بفعل حرارة الجو وبفعل نضرة خاطفة من عينيه الصغيرتان على مقهى في طريقه حينما رأى ابنه يرتدي ملابس العمل ذلك العمل غير المؤمل ولا المرجو ان يزج به , يصل في اخر رمق لأفكار راودته منذ ان خرج من مكان استلام المرتب الشهري  كانت نهاية هذه الافكار حينما وزع المرتب على الدائنين وابنتيه وزوجته ليعلن إفلاسه مجدداً الى اشعار اخر .
نشرت في السماوة ونشرت في العراق اليوم العدد 1681

0 التعليقات :

إرسال تعليق