الاثنين، 24 سبتمبر، 2012

زهرة في رياض الشقاء


بعيداً عن ملاهي الصبا وأغاني أوائل السنوات , بعيداً عن مزاح القرين والعاب الرياض الزاهية بعطر الورود والجنان الفائحة بضحكات البراءة المحضة , كان هنالك عقل طفولي بمسؤولية رجل .
تتفحص عيناه الوجوه وتقرا الأفكار , يجري هنا وهناك حركاته رشيقة كنحلة تتجول في بستان , ملامح طفولية ويدين صغيرتين يحبهما الله ورسوله ولكن في غير أوانهما . 




لحظة ترى " سليم" في أروقة السوق الكبير يتحرك بصمت وخفة يربط ظهره 
وبطنه بنطاق من حبل بلاستيكي صنعه بيده يكاد يطبق على بطنه الخاوية النحيفة بقوة , ملامح وجهه تخفي تعب وألم شديدين  , لم امتلك نفسي ولم احبس طوفان الأسئلة التي راحت تجول بخاطري حين رايته للمرة الأولى يمسك بيديه الصغيرتين عملة نقدية صادرة بموجب القانون , القانون ذاك الذين يضمن للكل حرية العيش وكرامته , كان يحمل بكلتا يديه ليضعها في غياهب سرواله فلا يصل إليها غير أنامله الصغيرة  اقترب مني يتفرس فيما بين يدي لحظة لقاءه أنجبت سؤال
_ ما اسمك أيها الصبي الشهم ؟
_ قال : سليم
_ كم عمرك ؟
_ قال: تقول أمي انك ألان في السادسة رغم اني رجل ...  وبيني وبينك لا أصدقها لأني كبير حتى اني اعرف كل شيء .
قهقهة الم تلك التي أخرجتها من بين شفتي وابتسامة كانت تغازل الموناليزا  لان عيني كانتا غير فرحتين بما قال سليم رغم الابتسامة  , ناولته مائتان وخمسون ديناراً ومثلها علامات استفهام لمستقبله المجهول في سوق مليء بالأساليب الملتوية وعبارات لا تليق بمن هو بعمر الزهور .
لم تكن بشرته السمراء هي الحقيقية بل اكتسبها مؤخرا بفعل حياكة الأشعة  ونسجها من خيوط  حرارتها ثوبا اسمراً يلتصق بجسمه الناعم  اثبت لي هذا من خلال حركة بريئة فعلها  , رفع زنده ليبان بياض جسمه  تحت قميصه الأصفر  الذي تزينه وردات نافرة .
 لحظة إمساكه العملة النقدية كانت عيناه تمارس اللمعة وإحساس الفرح الغامر ينبأ عن فطرة جبل الإنسان عليها منذ الخليقة الأولى على حب المال لكن الحب يتفاوت في درجاته بين شخص وآخر  رغم إني ادرك ان حب " سليم " حب يأتي في سبيل توفير الكرامة في العيش .
ويستمر في التجوال وتصفح الوجوه حتى تطوي الشمس خيوطها وتلملم كل أشعتها ويبقى تأثيرها على الأرض والشجر وأسطح الدور ومسامات جلد "سليم" المكتسبة للدكنة بفعلها.
نشرت في العراق اليوم العدد  1731 الاثنين 24/9/2012

1 التعليقات :

غير معرف يقول...

لك تحياتي يامن كتبت فأوجزت بأسطر جسدت حياة الكثير من البراعم المهدورة الحقوق في اوطانها والمسلوبة مما يحميها ويوفر لها ابسط الامور وهو اللقمة للعيش بكرامة .
سلمكم الله وقلمكم النازف بهموم المجتمع .
لبنان

إرسال تعليق