الاثنين، 17 ديسمبر، 2012

قالت لي الانية - قصة قصيرة-

 قالت لي الانية

لم يخطر ببالي يوماً أن ارحل عبر التاريخ ... ولم يخطر ببالي يوماً أن اسمع قصص وروايات تسبقني بآلاف السنين ... لكنني حين لامست شيئاً التقطته بيدي من فوق تراب وغبار عاش عليه أبطال ومات من اجل ذراته أبطال آخرون . حينها رأت عيناي شيئاً لم اعرفه البتة , 



فأخرجت منديلاً لي لطالما مسحت به جبيني الغارق بعرقه من شدة حرارة شمس بلدي المحرقة ومسحت به أيضاً زجاج عويناتي لأعيد الكرة تلو الكرة , أحدق بذلك الشيء المرمي على التراب , فاقتربت بحذر لم يغلب الفضول لمعرفة المرمي على الارض , رفعته لأجده آنية من الخزف .... مسحت التراب عنها وأنا اقلبها ذات اليمين وذات الشمال علني المح شيئا يدلني على هويتها المندثرة وعلة وجودها فوق الثرى فكأني سمعت حسيساً .. !! لا .... بل أنيناً .. أو أي صوت لم افهمه همهمة .... شيء يشبه صوت او خوار متقطع فقربتها من أذني محاولا إقناع نفسي بأنه صوت الهواء في جوف الآنية يدغدغ جدرانها ليعزف نشيد الفراغ .
سمعت صوت من داخلها يقول " أهلا بك أيها السومري الجديد" فألقيتها على الأرض في حركة فجائية ... وفزع قلبي ووليت مدبرا مرعوباً , وعندما هدأت نفسي وسكن روعي رجعت لالتقطها مرة أخرى ولكنها سبقتني بقولها لا تخف... فأنا وأنت من جنس واحد, فتعجبت ! .
ولا ادري كيف نطق لساني المتلعثم من فرط خوفي فقلت بنبرة صوت متكسر مرتجف : وكيف يكون ذلك ؟
فقالت الست من تراب ؟ فقلت أي والله من تراب قالت وأنا من تراب أيضاً ... فما يدهشك ثم قالت كلانا يا صديقي من تراب هذه الأرض ومنها جبلنا , وكلانا عمره ثلاثة ألاف عام او اكثر وكلما تزيد في كلامها تزداد معها دهشتي .
وكأني على راسي الطير وعقلي بين مصدق ومكذب لما يجري حولي , ولا أخفيكم سراَ بدأت بالاطمئنان ودقات قلبي بدأت تقلل من سرعتها الخرافية فلم ارمها كما فعلت في المرة الأولى وكأني أنست الكلام معها .
قاطعت كلامها بسؤال ما أنت؟ قالت : كما ترى آنية من الخزف كنت فيما مضى أتسكع بين يد الجند ممن كانوا يحرسون سور أوروك العظيم فيملؤني خمراً يخامر العقول او ماء يروي ظمأ العطشان منهم وفي كلتا الحالتين كان شغلي الشاغل خدمة شفاه جنود أوروك وتلاميذ كلكامش العظيم فبعدما رحل انكيدو حصل المحتوم وقضي الأمر المختوم فهلك الجميع ولم تعد أوروك كما كانت فرميت هذه الرمية ... اتقلب بين بطون الارض مختبئةً عن بطش الجبارين وعيون السارقين أحس بوقع أقدامهم النجسة وهي تدنس معابد مدينتي وتقلق مضاجع النائمين فاشتعل غضبا وامتلأ غيضاً في كل مرة لأني ورثت عبر السنين غيرة هذا التراب الأبي وفي كل مرة أحرك نفسي نحو السطح إلى أن وصلت إلى موضعي الذي وجدتني فيه .
فهاأنا احمل رسالة من مدينة بأكملها قابعة تحت أطنان من الطين والرمل تحوي كنوز الحضارة ومواريث الأجداد وصلت إلى مكاني هذا لأقول إلى من يمر بي أنا هنا .... منذ أن رحل انكيدو خالدة من سر خلود كلكامش كلفت بمهمة إيجاد منقذ يخرج شعبي وجدران مدينتي ومعابد ألهتي إلى نور الشمس مرة أخرى هذا يا سيدي السومري كل ما في جعبتي فاسمعني ماذا تقول . كان جوابي حينها ان بكيت بدموع كأنها الحمم وليتني لم اسمعها وأصابني الصمم كيف لي احمل هذا العهد الثقيل والخطب الجليل فكفكفت دموع عيني محاولا بناء ردم عظيم يحجب سيل الدمع العرم من مقلتي فأرجعتها لمكانها بوقار واحترام وأدرت لها ظهري حاملا منها رسالة الى العالم بأسره ووعداً باللقاء مرة أخرى.

0 التعليقات :

إرسال تعليق